محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن قتادة قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ يقول : قتل عمدا فعفي عنه ، وقبلت منه الدية ، يقول : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف ، وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان والعمد قود إليه قصاص ، لا عقل فيه إلا أن يرضوا بالدية ، فإن رضوا بالدية فمائة خلفة ، فإن قالوا : لا نرضى إلا بكذا وكذا ؛ فذاك لهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ قال : يتبع به الطالب بالمعروف ، ويؤدي المطلوب بإحسان . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ يقول : فمن قتل عمدا فعفي عنه وأخذت منه الدية ، يقول : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أمر صاحب الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف ، وأمر المؤدي أن يؤدي بإحسان . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت ل‌عطاء قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ قال : ذلك إذا أخذ الدية فهو عفو . حدثنا الحسن ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد قال : إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص ، فذلك قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ . قال ابن جريج : وأخبرني الأَعرج عن مجاهد مثل ذلك ، وزاد فيه : فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف ، وعلى الذي عفى عنه أن يؤدي بإحسان . حدثنا المثنى قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ؛ قال : ثنا أبو عقيل ؛ قال : قال الحسن : أخذ الدية عفو حسن . حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ قال : أنت أيها المعفو عنه . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ وهو الدية أن يحسن الطالب ، وأداء إليه بإحسان : هو أن يحسن المطلوب الأَداء . وقال آخرون معنى قوله : فَمَنْ عُفِيَ فمن فضل له فضل وبقيت له بقية . وقالوا : معنى قوله : مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ من دية أخيه شيء ، أو من أرش جراحته فاتباع منه القاتل أو الجارح الذي بقي ذلك قبله بمعروف وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان . وهذا قول من زعم أن الآية نزلت ، أعني قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم فيقاص ديات بعضهم من بعض ويرد بعضهم على بعض بفضل إن بقي لهم قبل الآخرين . وأحسب أن قائلي هذا القول وجهوا تأويل العفو في هذا الموضع إلى الكثرة من قول الله تعالى ذكره : حَتَّى عَفَوْا فكان معنى الكلام عندهم : فمن كثر له قبل أخيه القاتل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يقول : بقي له من دية أخيه شيء أو من أرش جراحته ، فليتبع بمعروف وليؤد الآخر إليه بإحسان . والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ أنه بمعنى مقاصة دية النفس الذكر من دية النفس الأنثى ، والعبد من الحر ، والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما أن يكون معنى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فمن عفي له من الواجب لأَخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرضى بدية نفس المقتول ، فاتباع من الولي بالمعروف ، وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان . وأولى الأَقوال عندي بالصواب في قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فمن صفح له من الواجب كان لأَخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه ، فاتباع بالمعروف من العافي عن الدم الراضي بالدية من دم وليه ، وأداء إليه من القاتل ذلك بإحسان ؛ لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل من أن معنى قول الله تعالى ذكره : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ إنما هو القصاص من النفوس القاتلة أو الجارحة والشاجة عمدا ، كذلك العفو أيضا عن ذلك . وأما معنى قوله : فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ فإنه يعني : فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قبل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أو غير ذلك ، أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه . كما : حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : بلغنا عن نبي الله صلى الله